محمد بن الطيب الباقلاني
176
الإنتصار للقرآن
قرآن ينزل عليه في كل يوم وليلة إلى يوم يموت صلّى اللّه عليه مع العلم أيضا بأنه لا يمكن أن يقال في كلّ سورة نزلت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه إنّها قد كملت لجواز أن ينزل بعد ذلك ما يضمّ إليها ، ويكتب معها ، على ما كان يأمرهم به الرسول صلّى اللّه عليه وإذا كان ذلك مما اتّفق عليه تعذّر العلم بأنّ فلانا قد حفظ جميع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، لأن ذلك أمر لا يتحقّق ويتيقّن إلا بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وانقطاع الوحي . وإذا كان ذلك كذلك لم يستجز كثير من الصحابة أن يخبر عن نفسه أنه قد حفظ جميع كتاب اللّه وهو لا يدري لعلّه سينزل على الرسول بعد ذلك مثل قدر ما حفظه عنه ، ولا يدري لعلّ فيما نزل ما قد نسخ ورفعت تلاوته [ 92 ] فلم يحفظه ، ولعله قد / نزل على الرسول في الساعة التي فارقه عليها قرآن كثير غير الذي قرأه لم يقرئه الرسول إياه وحفظه غيره وألقاه إلى سواه ، وإذا كان جوّز العلماء والفضلاء منهم جميع هذه الأمور لم يستجيزوا أن يخبر كلّ واحد منهم عن نفسه ولا عن غيره أنّه قد حفظ جميع القرآن وجمعه ، بل يجب أن يتجنبوا هذا القول وأن يعدلوا عنه . وإذا وجب ذلك لم يستفيض « 1 » بينهم عدد حفّاظ جميع ما نزل ، ولم يكن لهم إلى ذلك سبيل ولا طريق ، ولم ينكر لأجل هذا أن يكون حفظ القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه جماعة لم يخبّروا بذلك عن أنفسهم ولا خبّر به عنهم غيرهم ، لأنّ ذلك أمر لا ينتشر ويستفيض ويتقرّر علمه إلا بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وانقطاع الوحي والعلم بآخر ما نزل وختم به
--> ( 1 ) هكذا في الأصل ، والصواب : لم يستفض .